أبي الخير الإشبيلي
22
عمدة الطبيب في معرفة النبات
على نفسه نسجا مثل نسج العنكبوت يموت فيه » ( ص 290 ) . فهذه الفقرات الثلاث المنسوبة إلى أبي الخير واردة بلفظها ونصّها في كتاب « عمدة الطبيب في معرفة النبات » . وقد يكون من تمام الفائدة في هذا الصدد أن نشير إلى أن « مفتاح الراحة لأهل الفلاحة » الذي عزاه المحققان الفاضلان إلى مؤلّف مجهول من أهل الشام ليس في الحقيقة إلّا نسخة مطابقة للجزء الرابع من كتاب « مناهج الفكر ومباهج العبر » الذي ألّفه أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن يحيى الكتبي المشهور الوطواط ( 718 ه / 1318 م ) وهو من أهل مصر ، وقد أتيح لي أن أقابل أبواب « مفتاح الرحة » بما اشتمل عليه « مناهج الفكر » من أبواب وفصول فوجدتهما متطابقين تمام المطابقة باستثناء خطبة الكتاب وفقرات من المتن قليلة ، واعتمدت في هذه المقابلة على صورة نسخة خطّية من « مناهج الفكر » محفوظة بمكتبة الزاوية الناصرية في تمكروت ( رقم 115 ) . وبخصوص اختلاف بعض الفقرات في متن الكتابين لفت نظري ما نقله الوطواط في الصفحة 112 من مخطوطة الزاوية الناصرية حيث قال : قال أبو الخير في « الأدوية المفردة » : « ببلاد إفريقيا نبات يسمّى فستق الأرض ينبت بنفسه في الرمل كما تنبت الكمأة . . . » ، وهي المرة الوحيدة التي يشير فيها الوطواط إلى كتاب لأبي الخير باسم « الأدوية المفردة » وفيما عدا ذلك يسمّيه « كتاب النبات » ، وهذا النصّ المتعلق بفستق الأرض يشتمل على تفصيل وتدقيق يخلو منهما النص المماثل في « مفتاح الراحة » ، وسنعود إلى هذه المسألة فيما بعد . إن كل ما تقدم يزيدنا اقترابا من الاقتناع بأن كتابا في مثل قيمة « عمدة الطبيب » بوفرة المعلومات التي يقدّمها لنا عن النبات وأجناسه وأحواله وبيئته الطبيعية وأماكن وجوده مع ما يتضمنه من فوائد في فنّ الفلاحة لا يمكن أن يكون إلّا من تأليف عالم مشهود له بالخبرة وسعة المعرفة وتنوّعها من مرتبة أبي الخير الإشبيلي الذي نعته مواطنه ابن العوام بالشيخ الحكيم وعوّل عليه كثيرا في تصنيف كتابه الجامع ، كما اعتمده بعض أهل المشرق الإسلامي - ومنهم الوطواط الذي كانت مهنته الوراقة واقتناء الكتب وكسب عيشه منها - ومن أجل ذلك فإن الأدلّة التي تقوم بين أيدينا عن نسبة « عمدة الطبيب » إلى أبي الخير الإشبيلي يمكن أن تطمئن إليها النفس مع ما يقتضيه البحث الجادّ من تحفّظ في انتظار أدلة أخرى ترقى إلى مرتبة اليقين .